التوجه النقابي الديمقراطي الكفاحي

الحركة النقابية بالمغرب

كراس صادر عن النقابة الوطنية للتعليم-كدش باسفي في دجنبر 1995

الجمعة 22 أيار (مايو) 2009 بقلم كفاح نقابي

يهدف هذا الكراس إلى بعث تقاليد الحركة النقابية بالمغرب، و توسيع النقاش وسط العمال و النقابيين حول ثلاث موضوعات: 1. نشأة النقابات بالمغرب.

2. بروز ظاهرة الانحطاط البيروقراطي.

3. من أجل نقابات ديمقراطية – كفاحية.

أولا- بداية التجمعات المهنية بالمغرب:

عمل الاستعمار الفرنسي في بداية تواجده بالمغرب على إرساء البنيات الأولى لهذا التواجد. فركز في هاته المرحلة، بالإضافة إلى القطاع الزراعي (استيطان المعمرين و وكلائهم المحليين و توطيد نظام الحماية)، على إنشاء قطاعات عمومية لإدارة البلاد و تسييرها و على مد الطرقات و السكك الحديدية و كذلك على قطاعات خدماتية من بريد و صحة و تعليم و غيرها، و هو ما جعل قاعدة المأجورين تتكون أساسا من موظفي نظام الحماية و مستخدمين و نساء و رجال التعليم و بريديين و مراقبي الأشغال و معاونيهم، (مأجورين أوربيين، فرنسيين بشكل خاص).

و إذا تركنا جانبا أعوان المخزن و مسخريه، فإن العنصر المغربي من المأجورين كان عبارة عن عمال يدويين غير مهرة في الغالب، كانوا يدا عاملة تحت الطلب، بدون وضعية مهنية قارة، يشغلون في غالبيتهم وفق "عقد عمل" يومية و بالقطعة، و يتقاضون أجورا جد متدنية.

و على مستوى التجمعات المهنية – إذا ما استثنينا تعاضدية البريديين (تأسست عام 1916) كأول تنظيم تعاوني بالمغرب – لم يكن هناك أي تجمع مهني يذكر. و يرجع ذلك إلى العديد من العوامل:

- الامتيازات المخولة للأوربيين العاملين بالمغرب، إذ يتقاضون رواتب بتعويضات عن الإقامة بالمغرب (الزيادة المغربية) و تعويضات السكن و غيرها من الامتيازات التي تدخل في إطار جذب الموظفين و المستخدمين للعمل في المغرب، كما حدث في معظم المستعمرات.

- ارتباط جزء منهم بتنفيذ المشروع الاستعماري بالمغرب (موظفو الحماية و المخزن).

- هيمنة الفكر الاستعماري على ما تبقى منهم. إذ كان جل المأجورين الأوربيين، إن لم نقل كلهم، على "قناعة" بالرسالة "الحضارية" للاستعمار:العمل على تحضير "الأهالي"

كما يرجع ذلك إلى حالة الحصار التي يؤطرها قانونيا الظهير الملكي لـ 24/5/1914 المقنن للترخيص للجمعيات. إلا أن الوضع تغير مباشرة عقب الحرب العالمية الأولى (1914-1918) و الذي تميز بنهاية اقتصاد الحرب. فارتفعت الأسعار و بدأت سلسلة من تسريحات العمال بأوروبا و ضمنها فرنسا، كما أن ثورة أكتوبر الاشتراكية (1917) كان لها وقع كبير على الشغيلة الأوربية، فعرفت النقابات نسبا متزايدة من الانخراطات و خاضت الشغيلة معارك مطلبية (مظاهرات، إضرابات ...) و كان لهذا الوضع انعكاساته على المغرب أيضا.

في ظل هذه الشروط تأسست ثلاث تجمعات مهنية في ظرف ثلاثة أشهر سنة 1919 :

- الجمعية العامة لموظفي الحماية (10 ماي 1919).

- تجمع عمال و مستخدمي الشحن و الإفراغ المغربي (8 يونيه 1919).

- اتحاد وداديات شغيلة الكتاب بالدار البيضاء (10 يوليوز 1919)

و مع صعود حكومة "الكتلة الوطنية" اليمينية في فرنسا، و التي ستقمع إضرابات ربيع 1920 الكبرى و تلاحق النقابيين و تحاكمهم، و هي الخطة التي سينتهجها "ليوطي" المقيم العام بالمغرب عبر إجراءات الاخضاع الصارم للموظفين و المستخدمين و العمال، و هي إجراءات تمثلت في:

- جلب أطر جديدة.

- إقرار حق المدراء في الطرد و الإحالة المباشرة على الإطار الأصلي.

- تخفيض التعويضات الإضافية للأجور بالمغرب من 100 في المئة إلى 50 في المئة.

- تقسيم المغرب إلى أربع مناطق عوض اثنين بالنسبة للتعويض عن السكن.

و قد أثارت هذه الإجراءات سخطا تزايد مع الوقت لدى العاملين. و هو ما جعل سنتي 1920-1921 تتميز بتأسيس بعض التجمعات، جمعية المهندسين و المراقبين المساعدين في الأشغال العمومية، الودادية الجامعية للمغرب (معلمين و أساتذة)، وداديات تعليم إقليمية أو خاصة بمؤسسة بعينها، تجمعات لمستخدمي الأبناك و المكاتب و التجارة، و لمستخدمي المقاهي و المطاعم و الفنادق بالرباط، و الجمعية الودادية لمستخدمي مكناس. و قد تطورت بعض هذه الجمعيات سنة 1922 في اتجاه تأسيس وداديات مهمة:

ً الجمعية الودادية لبريد المغرب ً

ًودادية التعليم الثانوي بالمغرب ً

ًودادية التعليم الإبتدائي بالمغرب ً

ًودادية الإدارة العامة للأشغال العمومية ً

و يظهر أن ودادية التعليم الإبتدائي بالمغرب كانت من أرقى هاته الوداديات استنادا على أرشيفاتها و في غياب معلومات عن الوداديات الأخريات، حيث نلمس مدى اتساع تنظيمها (500 منخرط من أصل 800 معلم)، و مستوى هيكلتها (مالية مضبوطة، مكتب منتخب، مؤتمرات سنوية منتظمة،)، و مستوى أشغالها (نشرات فصلية منتظمة). و يرجع ذلك إلى تواجد مناضلين ذوي خبرة اكتسبوها من داخل النقابة الوطنية للمعلمين بفرنسا المنتظمة داخل الكونفدرالية العامة للشغلC.G.T ، كما كان هناك مناضلون من أنصار الكونفدرالية العامة الموحدة للشغلC.G.T.U حيث يتواجد الشيوعيون، و كان في صفوفهم مناضلون متشبعون بالقيم الديمقراطية و العلمانية و هو ما يجسده ما جاء في النظام الأساسي للودادية حول "الدفاع عن الفكر العلماني و الديمقراطي و الجمهوري". و بما أنهم كانوا متيقنين بأنهم مكلفون بالعمل على "تحضر " و "ًإدماج الأهالي"ً فإنهم لم يكونوا في غالبيتهم واعين بحقيقة واقع الاستعمار. لقد اعتبر المعلمون أن مكانهم في صفوف الحركة النقابية للطبقة العاملة ًفهم معلموها الواعون ً، و تركزت مطالب ودادية التعليم الإبتدائي بالمغرب حول:

- تطبيق مقررات القانون الفرنسي لـ 30-4-1921، القاضي بمنح زيادات في الرواتب.

- الحفاظ على الزيادة ًالمغربية ً ذات قيمة 80 في المئة من الراتب الأصلي و التي قررت الإقامة العامة حذفها. - المطالبة بإنشاء لجن متعادلة التمثيل (اللجن المتساوية الأعضاء) تتكلف بالتعيينات و الترقيات.

إلا أن المكاسب الهزيلة التي تم الحصول عليها انعكست سلبا على الودادية، فشهد مؤتمرها الثالث (أبريل 1924) تصدعات بين أعضاء المكتب بصدد تقويم هاته التجربة و أشكال تجاوزها.

لكن هاته التجربة بالرغم من ذلك شكلت منعطفا في تاريخ الحركة النقابية بالمغرب، علما بالدور الريادي الذي لعبه المعلمون في الحركة التعاضدية، و ما سيلعبونه لاحقا في تأسيس العمل النقابي بالمغرب. فهذا المؤتمر، و رغم أنه كان في نظر البعض إقرارا بالفشل، فقد شكل محطة تصدرت نقاشاتها مسألة الممارسة النقابية، و طرحت ضرورة توطيد العلاقات مع النقابات بفرنسا: الانخراط في النقابة الوطنية للمعلمين (فرنسا) تجاوزا لقرار المنع ًالقانوني ً لسلطات الحماية.


ثانيا- تطور الحركة التعاضدية و الودادية و بدايات نشوء النقابات.

1- 1924-1926:بداية التحول:

خلال هاته الفترة حدثت تحولات مهمة على مستوى التجمعات المهنية. و قد حكمت هاته التحولات العديد من الأسباب و العوامل. فمن جهة هناك ما راكمته الحركة التعاضدية و الودادية (الخبرات النضالية و التنظيمية و أيضا الإخفاقات). و من جهة أخرى التغيرات و الأحداث السياسية التي كانت جارية أنذاك في فرنسا و المغرب. ففي فرنسا فاز ًتكتل اليسار ً في انتخابات ماي 1924، و كان من نتائج هذا ًالانتصار الانتخابي ً الاعتراف بالحق النقابي للموظفين و من بينهم نساء و رجال التعليم و البريد و الصحة. و كان من انعكاسات ذلك على المغرب رفع حالة الحصار التي كانت للسلطات العسكرية مسؤولية الحفاظ على الأمن في ًالمناطق المدنية ً، كما أن انشغال الحماية بحرب الريف (1925) دفعها إلى العمل على ًتهدئة النزاعات الاجتماعية ً.

أدت هاته الشروط العامة إلى نوع من ًالانفراج ً، و هو ما أتاح اتساعا ملحوظا للعمل السياسي و ًالنقابي ً. فأنشأ الشيوعيون بالكونفدرالية العامة الموحدة للشغلِC.G.T.U بفرنسا لجنة عمل ضد الحرب في الريف، و التي كانت تؤيد الحركات الوطنية في المستعمرات، و كان لهاته اللجنة مناضلون بالمغرب، كما عرف المغرب، منذ 1924 أنشطة مكثفة للحزب الاشتراكي، الفرع الفرنسي للأممية العمالية SFIO انطلق من مدينة الرباط، و تم تأسيس عدة فروع أخرى بين 1925-1926. و تجمعت الفروع المحلية لتشكل الفيدرالية الاشتراكية للمغرب. و قد انخرط في هاته الفيدرالية أيضا العديد من الشيوعيين.

و قد أعطى الاشتراكيون و الشيوعيون دفعة كبيرة للعمل النقابي بالمغرب إذ كانوا الأكثر نشاطا في الوداديات، و كانت أنشطتهم الحزبية تنصب أساسا على التكوين العمالي. إذ اهتم هؤلاء المناضلون بالتربية الاشتراكية و التربية العمالية و بمناقشة القضايا النقابية المطروحة وقتها. و في كل ذكرى نقابية (فاتح ماي مثلا) تلقى محاضرات نقابية. كما عملوا على تعبئة الشغيلة و محاولة تصليب التجمعات المهنية. كان لهاته التحولات السابقة الذكر أثر كبير على الحركة النقابية من حيث هيكلتها و مطالبها و كفاحيتها، و هو ما سنراه من خلال نموذجين هامين:

- السككيون: أسسوا الودادية المهنية (1925) و كانت مطالبهم تتمثل في سن نظام أساسي – الزيادة في الأجور بـ 35 في المئة (إسوة برفاقهم في فرنسا) – إنشاء صندوق التعاون – مجانية العلاج و التطبيب – لجنة الترقية. و قرر من أجل ذلك سككيو الدار البيضاء شن إضراب عن العمل يوم 5/3/1926، و لم يتمكنوا إلا من انتزاع مكسب النظام الأساسي الذي سنته الإقامة العامة في 20/3/1926، و هو ما دفعهم إلى شن إضراب عام يوم 26/3/1926 اعتبر كأول إضراب مغربي. و كان من نتائج هذا الإضراب أن اعتقل قائدان نقابيان و أطلق سراحهما و تم تنقيلهما. و هو ما أدى إلى تفكك التنظيم النقابي و تشرذم المناضلين. و لم تنبعث الودادية من جديد إلا أواخر 1927.

- المعلمون: كانت هاته الفئة هي الأكثر نشاطا، هيمنت و تواجدت في أغلبية التجمعات المهنية. ففي سنة 1925 تواجدوا في 15 من هاته التجمعات، و ظلت الزيادة في الأجور و تعويضات الإقامة تتصدران لائحة مطالبهم. و في أبريل 1926 تحولت ًودادية التعليم الإبتدائي ً إلى ًالفرع المغربي للنقابة الوطنية لمعلمي و معلمات فرنسا و المستعمرات ً بالرغم من منع الاستعمار للحق النقابي بالمغرب. و بهذا تدعمت الودادية و بدأت تظهر كنواة صلبة للحركة النقابية المغربية.

2- التحولات الاقتصادية لسنوات 1926-1929 و انعكاساتها على المأجورين المغاربة:

عرفت هاته المرحلة تطورا كبيرا للنسيج الاقتصادي الاستعماري تمثل في:

- توسيع أراضي الاستيطان (أراضي المعمرين)

- توسيع الأشغال الكبرى: تشييد الطرقات. (1200 كلم) السكك الحديدية (500 كلم). السدود الكبرى. و الموانئ. البنايات الإدارية و المجموعات العمرانية.

- إنشاء مؤسسات صناعية و منجمية كبرى: الشركة الإفريقية لمؤسسة كارنوِCarnaud مصاهر الحديد، الشركة المغربية للسكر، الشركة الإفريقية للغزل و النسيج و عدة شركات منجمية (الفوسفاط مثلا) و الشركة الشريفة للبترول.

أدى الازدهار الرأسمالي لسنوات 1926-1929 إلى ازدياد الطلب على اليد العاملة و على الخصوص المغربية منها، فعرفت الفترة تنامي الهجرة الداخلية من الأرياف نحو المدن (هجرة ضحايا نزع الملكية) تحت اغراءات الزيادات في الأجور التي عرفت زيادة 100 في المئة بين يناير 1928 و يوليوز 1929، و هو ما أدى إلى تزايد في أعداد اليد العاملة المغربية و كان ذلك بداية تشكل جنيني للبرجوازية المغربية، غير أن حاجة المستعمرين إلى المزيد من اليد العاملة ظلت قائمة على الرغم من تزايد أعداد الشغيلة المغربية. و قد فسر المستعمرون قلة اليد العاملة بارتفاع الأجور؟؟ فحسب زعمهم، ما أن يحصل العامل المغربي على مبلغ كاف لسد حاجياته حتى ينقطع عن العمل خلال ما تبقى من أيام الأسبوع. و كان ذلك تبريرا لسياسة خفض الأجور، لذلك أقر نظام الحماية عدة إجراءات تماشيا مع هذه السياسة: منع هجرة اليد العاملة المغربية إلى فرنسا و الحث على المكننة في الورشات و لو زادت التكلفة، و هي إجراءات لم تصبح سارية المفعول إلا مع الأزمة الاقتصادية لسنة 1929 و هو وضع أدى إلى وفرة اليد العاملة فنمو البطالة فانهيار الأجور.

و قد كان لهاته الإجراءات تأثير على الشغيلة المغاربة فتدهورت أوضاعهم المعيشية أكثر فأكثر.

و هي وضعية ستزداد سوءا خلال الثلاثينات كما سنرى فيما بعد.

3- تأسيس اتحاد النقابات بالمغرب:1930

بالرغم من المنع الاستعماري للحق النقابي فقد نشط العمل النقابي بالمغرب و كان يهدف إلى إلى تحقيق المطالب الأساسية التالية: الاعتراف القانوني بالحق النقابي، العطلة الأسبوعية و يوم عمل من 8 ساعات. هاته المطالب التي تمت صياغتها منذ نهاية العشرينات. و بالموازاة مع هذا النشاط بدأ مسلسل تجميع التجمعات المهنية و النقابية فبالاضافة إلى قطاع التعليم المنضوي تحت لواء ك ع ش C.G.T حول البريديون وداديتهم إلى فروع للنقابات الوطنية الثلاث (أطر، مستخدمون، عمال) المنخرطة في ك ع ش. كما ظهر تجمع عام ًالتجمع الودادي لفئات المستخدمين البريديين في المغرب ً انخرط فيه المتعاطفون معC.G.T.U الكونفدرالية العامة الموحدة للشغل.

و توج هذا المسار بتأسيس اتحاد النقابات بالمغرب (الاتحاد الجهوي C.G.T) خلال مؤتمر تأسيسي انعقد بتاريخ 22-6-1930، و خلال هذا المؤتمر تم طرح القضايا التالية:

- يوم عمل من 8 ساعات.

- العطلة الأسبوعية.

- محاكم الشغل.

- مندوبو العمال الملحقون بمفتشية الشغل.

و كان هذا التأسيس منطلقا لتحويل الوداديات إلى نقابات: قطاعات الشركة المغربية لتوزيع الماء و الكهرباءSMD مثلا، كما أنشأت فيدرالية التعدين.


كراس الحركة النقابية بالمغرب

الصفحة الاساسية | الاتصال | خريطة الموقع | الإحصاءات | زيارة: 426194

موقع صمم بنظام SPIP 1.9.2c + ALTERNATIVES

     RSS ar RSSقضايا قطاعية RSSقطاعات أخرى   ?

Creative Commons License